وناسة بندر دنقلا
(2)
مصطفى دارنتود
بيت البكاء
إضحك تضحك وحدك.... أبك نبكي معك
مواضيع ساخرة نشرت مسلسلة عام 2002م في صحيفة (نبض الكاريكاتير)
الدمعة الاولى
*
صدقت المرأة الطيبة
أمرأة طيبة كانت تشاهد صورة رئيس بلدها على شاشة التلفزيون قبل نشرة الأخبار وخلال نشرة الأخبار وبعد نشرة الأخبار وفي الأوقات التي لا تكون فيها نشرة أخبار ولما لم تكن تنتبه ولا تتابع ما يقال في التلفزيون فقد ظنت؛ وبعض الظن ليس إثماً؛ أن الصورة لشخص (خرج ولم يعد حتى الآن) لذا قالت لأولادها:
- واي يا ربي... الراجل التايه ده لسع أهلو ما لقيهو؟!.
الدمعة الثانية
**
موت الدود
عزيزي لأني أعزك فأنا أحكي لك بلهجة غنية بأرق وألطف الكلمات؛ لهجة هي الأعذب في الدنيا وإن كنت لا تصدقني فقل لي هل تستطيع أي سكسونية من بنات البيون (البيون إسم قديم لبريطانيا) أن تقول: (أجي يا بنات أمي) أو تقول: (سجمي الترابة كالتني).
أو أن تقول:
إن طلعت القمره أخير يا عشانا
تودينا لي أهــلنا بســألوك مننا
وهل تستطيع أجمل ملكات جمال العالم أو حتى مونيكا بتاعة كلنتون أن تنطق كلمة (أي) وتمدها ستة مدات وتقول: (آآآآآآي) كما تفعل صبايانا.
وهل يستطيع أجعص كاوبوي؛ أي بقاري إمريكي؛ أن يقول: (حباب الشر محل ما بتق) أو أن يقول: (أنا أخو البنات) أو يقول: (حرم).
وهل يستطيع رامبو أو حتى البحار الإنجليزي أبو شنب أشقر والذي كانت ترسم صوره في علب سجاير البحاري أن يقول: (أخطاني يا زول) أو يقول: (الزارعنا غير الله اليجي يقلعنا).
وهل يستطيع أي شاعر أيٌ من كان أن يقول:
بالله يا الطير المهاجر للوطن
زمن الخريف
طير بسراع طير ما تضيع زمن
اوعك تقيف
وتواصل في الليل في الصباح
تحت المطر وسط الرياح
وكان تعب منك جناح
فى السرعه زيد
فى بلادنا ترتاح
ضل النخيل أريح سكن
لا أحد يستطيع، ولا حتى لو كان شكسبير نفسه، أن يعبر هكذا بكلمات بسيطة عن قيم سامية نبيلة إلا إن كان يتكيء بظهره على تراث عشرات آلاف السنين من الحضارة. وبخصوص شكسبير بيني بينك سمعت بي تحت تحت أنو شكسبير زاتو زولاً لينا من الشايقية وإسمو الحقيقي شيخ صبير، بس ما تكلم زول عشان ما تعمل لي مشكلة.
شغفت منذ صباي منتصف الخمسينات بالقراءة؛ كان مصروفي اليومي حينذاك ثلاثة قروش؛ قرشان للفطور وقرش أجرة البص (ون وي تكت)؛ فكنت أشتري سندوتش فول بي قرش ونص، رغيفة كاملة مدورة وبيضه زي القمر بي قرش وفول بي تعريفه ثم أستغني عن ركوب البص وآخذها كداري ماشي جاي وهكذا أوفر نصف مصروفي اليومي لأشترى بها مجلات سندباد وصباح الخير والصبيان وسلسلة كتب أرسين لوبين وطرزان وكان ثمن المجلة أو الكتاب لا يتعدي الفريني. وكنت أهوى أيضاً قراءة سلسلة كتب التعريفة؛ هل تصدق إنو كان في سلسلة من الكتب إسمها "كتاب التعريفة" ثمن النسخة منها تعريفة واحدة بس؟.
وما دام جبنا سيرة الفريتي دعني أعرفك يا عزيزي بالسيد الفريني وأسرته الكريمة من أولاد وأحفاد. إن السيد الفريني هو أبو قرشين؛ والقرش هو أبو تعريفتين أما التعريفة فهي أم الخمسة مليمات. وكان المليم رقماً صعباً في مرتبات موظفي الميري الذين كان يضرب بهم الأمثال بسبب ثرائهم من ذلك المثل الذي يقول: "إن ما لحقت الميري إتمرغ في ترابو" ومن رأيي أن يستبدل هذا المثل ليكون "أبعد عن الميري لا تتكندك بي ترابو". اما السيد الفريني من جهة الاب فجده هو الجنيه؛ والسيد الجنيه هو الشهيد الدود أبو جمل فهو أبو عشرة ريالات فضية وجد المائة قرش وله من الأحفاد ألف مليم. لقد كان الجنيه السوداني قبل إغتياله زمن الزعيم الملهم والملهم (بفتح الهاء مرة وكسرها مرة) قويا مهاباً حتى أن أربعة دولارات كاملة ما كانت تتجاسر وترفع عينها عليه إلا إذا أحضرن معهن من بناتهن أربعة وعشرين سنتاً؛ وبسبب قوة الجنيه كان يقال للشخص الذي يقول قولاً أو يفعل فعلاً هو ما قدرو: "مالك رافع نخرتك كده التقول عندك نص الألف". هذا النص الألف الآن يادوب يجيب علبة كبريت أو واحد ونصف موس حلاقة أو نصف قالب طوب أحمر أو نصف قطعة حلاوة مصاصة؛ فبحساب الحكومة التي قلبت الهوبا دون أن تنقلب فإن الجنيه أبو جمل يساوي ألفاً من جنيهات هذه الأيام غير أن الحقيقة أسوأ من ذلك بكثير.
مقارنة أخيرة بين القيمة الشرائية لجنيه الأمس مقارنة بالقوة الشرائية لجنيه اليوم أضرب لك مثلاً بكتاب التعريفة الذي أخبرتك عنه فأقول إنه كان بإمكانك شراء 200 نسخة من كتاب التعريفة بي جنيه واحد وبما إننا قد إخترنا خيار حذف 3 أصفار من الجنيه بذا يصبح جنيه الماضي يساوي 1000 جنيه من جنيهات اليوم عليه فإنه من المفترض أن تشتري بجنيه اليوم 200000 (ميتين ألف) نسخة من كتاب التعريفة وهي كمية من النسخ تكفي لكل مدارس البلد بينما واقع الحال فإن جنيه اليوم يا دوب يجيب ليك فرخ فلسكاب.
الدمعة الثالثة
***
تهافت البلهاء
كان المربون يحذرون الآباء من ضرر كتب أرسين لوبين وطرزان على عقول أبنائهم وكانوا يقولون أن هذه الكتب ومثيلاتها أشد ضرراً من كل الموبقات الأخرى لأن هذه الموبقات الأخرى قد تفسد الأخلاق أو تهلك الجسد أما تلك الكتب فتفسد العقل وفساد العقل يؤدي إلى فساد الأخلاق وفساد الأخلاق يؤدي إلى هلاك الجسد؛ لذا فهذه الكتب أكثر شراً من عرقي التمر وأشد ضرراً من قناديل البنقو الواوية ذلك لأن سطلة البنقو تفك وطشمة عرقي البلح تزول بعد حين ولكن ما يعشعش في مخ الإنسان من الكتب لا تستطيع أي قوة أن تخرجه من الدقنوس. تبنى أنصاف المتعلمين هذا الرأي وحذروا أبناءهم من هذه الكتب ومنعوا دخولها إلى منازلهم. ثم جاء المربون بنظرية جديدة تدعو الآباء لتشجيع أبنائهم لقراءة روايات ارسين لوبين وطرزان وما شابهها من روايات وقصص ذلك لأن قراءة مثل هذه الكتب المسلية والمشوقة تحبب القراءة للأطفال وتعودهم عليها فيشبون وقد تملكهم حب القراءة والإطلاع. جاءت هذه النظرية متأخرة بالنسبة إلي فقد بلغت مستوى مش بطال من النضج إنعدم معه شغفي بقراءة مثل تلك الكتب؛ وبلغت من الوعي ما لا يستطيع معه أي جهبوذ أو أي زعيم مهما كان ملهـَماً أو ملهـِماً، (بفتح الهاء مرة وكسرها مرة)، أن يملي علي ما يجب وما لا يجب.
إن المربيين الحقيقين يجب ألا يكونوا مثل المستربين الملاكي، أي العاملين نفسهم مربيين وتابعين لاسيادهم الحكام البلهاء، والذين هم مثل أسيادهم البلهاء الذين لا يرون أي غضاضة أو يشعرون بأي خجلة من الإنتقال من النقيض للنقيض.
إن كل زعيم أوحد يؤمن بأنه ملهم وما دام ذلك كذلك فمن حقه أن يقول أو يفعل شيئاً جديداً من حين لآخر وليس مهماً أن يكون ما يقوله ويفعله اليوم مناقضاً لما قاله وفعله بالأمس فهذا من حقه وإلا إنت داير يعني كل الزعماء الملهمين والملهمين يربعوا إياديهم ويقعدوا القرفصاء حيارى فقارى من دون شغل أو مشغله زي ست المريسه الدفقت مريستها؟؛ بسبب هذه القرضمة وشيل البطارية في القمراء كم رأينا زعيماً اوحداً بدأ عهده شيوعياً قاطعاً وإنتهى درويشاً متدروشاً بعد حين أو العكس بالعكس؛ وما دام سيد المستربي هكذا فلا غرابة إذن أن رأينا كيف أن كل مستربي ملاكي من هؤلاء كان يصنع لسيده سلماً تعليمياً خاصاً به يهبط به من الحضيض إلى الأحض مرة بحجة التعريب ومرة بحجة طه القرشي؛ وبخصوص طه القرشي حكى لي أستاذنا وشيخنا الجليل الاستاذ شاكر علي إسماعيل أن الشيخ الذي أشرف على كتاب الاطفال الذي به قصة طه القرشي كان شيخاً تقياً ورعاً وجهه يشع بحب الله ورسوله.
ما علينا، نعود لموضوعنا.
أياً ما كان رأي المربين والمستربين فأنا أشكر روايات أرسين لوبين وطرزان التي بفضلها أدمنت القراءة التي فتحت لي أبواب دنياوات فسيحة رحبة من إبداعات العقل الإنساني الخصب فمنها تعرفت على أناس أخيار وآخرين أشرار؛ تعرفت على الفيلسوف ايسوب الذي راهنه الناس على شرب مياه البحر فوافق فلما قالوا له: (هذا هو البحر فأشربه)؛ قال لهم: (لقد إتفقت معكم على شرب ماء البحر فسدوا إذاً مياه الأنهار التي تصب فيه لأني لم أتفق معكم على شربها أيضاً). وكان أحكم منه يونس ود الدكيم الذي قيل له بعد أسره: (لقد قلت أنك تستطيع أن تشرب البحر؛ ها هو البحر فأشربه)، فقال: (عندما قلت ذلك عنيت بأني أستطيع شربه بواسطة رجالي).
وتعرفت على مواطني قرية دينكاكا الذين حكى عنهم الروائي الروسي جوجول في روايته (حكايات حول قرية دينكاكا) فضحكت معهم وعليهم وهم يصارعون بعضهم بعضاً أو يصارعون السحرة والشياطين من وقت صياح ديكة القرية للمرة الثالثة وحتى يطويهم النوم تحت جناحيه. يقال أن ناشر الرواية قال لجوجول عندما رأي عمال المطبعة قد تركوا عملهم في طباعة الكتاب وتحلقوا حول بعضهم يقرأون مسودة النص وهم ميتين من الضحك: (شنو ياخي المصيبة الأديتها لي دي عشان أطبعها ليك؟).
وتعرفت على إسكارلت أوهارا تلك الصبية الدلوعة التي إبتدعتها مارجريت ميتشل في يتيمتها (ذهب مع الريح).
وأدهشني عالم الصين الساحر الذي عرفتني به بيرل بك في روايتها الرائعة (الأرض الطيبة) وجعتلني أتوجع مع أوجاع شخصايتها المطحونة بهموم الحياة التي تعيش على هامشها.
ووقفت مشدوهاً أمام أرفنج والاس وهو كالساحر يعرض علي شخصياته التي تضج بالحياة في روايته (الجائزة) والتي أمضى سنوات عديدة وهو يغزل خيوطها لينسج منها واحدة من أروع ما إبتدعه الخيال البشري.
وتشرفت بمعرفة الشخصيات التي نحتها الكاتب جون أشتانبيك في روايته الرائعة (البحث عن إلـَه مجهول).
وبكيت ضاحكاً وضحكت باكياً على الناس الطيبين الذين حكى عنهم تشيخوف في قصصه التي رغم قصرها تشع كقطع الماس بآلاف الأضواء والألوان.
وشعرت بالعزة والكبرياء وأنا أرى الإستعماري العنجهي كرومر في كتابه (بريطانيا في السودان) وهو يطأطيء راسه في حضرة كبرياء وجلال الفارس النبيل ود النجومي الذي حجب شمس الإمبراطورية البريطانية في عز ضحاها.
وأحسست بالإمتنان لما كتبه بيتر. ل. شيني في كتابه (مروي: حضارة سودانية) وما كتبه العالم ويليام آدمز في كتابه (النوبة رواق أفريقيا) عن بلدي وأهل بلدي.
ووقفت متكئاً على عكازي واضعاً قدماً على ساق مشمراً كم قميصي كاشفاً عن سكيني وحجباتي مرابطاً مع أهالي حلة ود حامد لأحمي معهم دومتهم من الغزاة الجدد من بني جلدتهم الذين حكى عنهم الطيب صالح في قصته (دومة ود حامد)؛ هذا الطيب والصالح هذا الذكي الذي يروي لك كلاماً يضحكك فتقول له (عمرك أطول من عمري يا ود صالح؛ الكلام القلتو ده كان على طرف لساني) لتكتشف بعد ذلك أن ود صالح ضحك عليك وقال لك كلاماً قيماً كالذهب.
الدمعة الرابعة
****
الناس والكلاب
أمــر غريب أن يتفق بعض الشرقيين مع كل الغربيين على حب الكلاب.
بدوي قح خاطب الخليفة العباسي مادحاً التيس والكلب:
أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوب
هذا البدوي يرى أن التيس والكلب هما الأنموذج لذا يجب أن يقتدى بهما سيد الناس؛ طبعاً يستحيل أن تقول عن الإنسان الوفي أنه كالكلب أو أن تقـول للإنسان الشجاع بأنه كالتيس؛ إن ما مصدقني جرب، أدخل على رئيسك في العمل هاشاً باشاً وقل له: "صباح الخير أيها التيس" إن ما رماك من الشباك ما تديني إيدك.
تخيل ما كان يحدث مثلاً لأحد أبناء إفريقيا الوسطى إن قال لإمبراطور إفريقيا الأوحد بوكاسا زمن عزو حين كان لا يأكل لحماً غير لحم الشفع: "صباح الخير أيها الكلب".
الغربيون يقولــون أن الكلب (Man Best Friend) ويقصدون أن الكلب (أفضـــل صديق للإنسان)، ويفهم من قولهم هذا إنهم يحبون الكلب لذا جعلوه صديقهم، ثم أنهم فضلوه على كل أصدقائهم من البشر فجعـلوه أفضلهم.
حكى لي صديق فقال:" عندما كنت أدرس في لندن أعتدت التنقل بالبص بين سكني والجامعة التي أدرس بها. ذات يوم وأنا أركب البص جلست في مقعد خلفي شمطاء من بنات البيون وكان بصحبتها رفيقها الكلب وكان كلباً مجغلصاً له شدقان عظيمان مثل كبوت الفورد أبو أربعة، وكان شدقاه ينهدلان على جانبي فكيه كقربة ماء مكرفسة؛ وكان، الكلب، يتطلع حوله في ترفع وقد نفخ أوداجه وكأنه حاكم عام إنجليزي لإحدى الدول الفقيرة من دول العالم الثالث عشر المتخلفة والتي يطلق عليها عن طريق الخطأ الدول النامية بينما الصحيح أن نقول عنها الدول المتنامية؛ فالدول النامية هي تلك التي نمت، أما الدول المتنامية فهي التي بدأت عملية النمو وستظل تنمو وتنمو حتى قيام الساعة دون أن تصبح دولاً نامية.
ما علينا؛ نعود للكلب ...
يبدو أن عنقرتي أعجبت الكلب المجغـلص فقرر أن يلحسها.... فـلحسها. تقلص عنقي إشمئزازاً وإنقلبت معدتي من التقزز غير أني رأيت - لأني أعرف أن الغربيين يمكن أن يغفروا لقاتل محمد الدرة إلا أنهم لا يمكن أن يغفروا لمن يسيء لأي كلب ويسبب له أضراراً نفسية - أن أكتم غيظي وأمسح على رأس الكلب المجغلص ملاطفاً له لأرضيه أولاً ثم العجوز ثانياً متمنياً في نفس الوقت أن تعجب حركتي الرقيقة هذه كليهما، العجوز والكلب، فيتركا عنقرتي في حالها وقلت:
It is a nice dog.ً -
إحمر وجه العجور الشمطــاء حتى صــار كالفشة، وإلتمعت كديسة أنفها، أقصد أرنبة أنفها، كجمرة الشيشة المتوهجة وصاحت في غضب كأني لعنت سنسفيل أهلها:
He is a good boy.-
عندها تملكني عناد سوداني أصيل وغـلى دمي في عروقي بسبب كراهيتي للكلاب والإستعمار الإنجليزي والقادة الملهمين فصحت في غضب سوداني أصيل:
It is it. -
صرخت العجوز وقد فططت عينيها كالمجنونة:
- He is he.
لقـد عـَـلمنا الأساتذة الأنجليز أن "He" تستعمل مع العاقل وأن "It" تستعمل مع غير العاقل لذا قررت أن أري هذه العجوز النخرة إنني أعــرف الإنجــليزية وأننيblack Englishman" "a فقــمـت واقفاً من مقعدي وواجهتها وصرخت في وجهها وفي وجه كلبها:
- It is it.
جحـظــت عينا العجوز فبدت كالمرأة الحديدية مارقريت تاتشر وصاحت والزبد يتطاير من فمها الخالي من الأســنان:
- He is he.
أحسست ساعتها بأني لا أمثل شخصي أو بلدي فقط إنما أمثل كل مواطني الدول المتنامية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية فقررت ألا أخذلهم فصرخت في وجه الإستعمارية العجوز:
It.-
صرخت العجوز وقد نكشت شعرها كالمجنونة
- He.
ثم بدأنا التحاور بطريقة درامية:
- It.
- He.
- It.
- He.
ولما أصرت على مناكفتي صرخت في وجهها: "إنتي ما أرجل مني يا ظربونة، حأنشف ريقك النهاردة". تعقد الخواجات من إستعمالي لكلمة "ظربونة" التي لم يسمعوا بها من قبل ولا يعرفون إن كانت كلمة سفاهة أم كود إرهابي فهاجوا وماجوا ثم زمجروا بصوت واحد كأنهم كورال في عرض أوبرالي إيطالي:-
- He is he.
أحسست عندها أن الكلام دخل الحوش وأن الخواجات حولوها إلى حرب عنصرية، فرأيت أنه ما دمنا لم ننتصر على الخواجات في أي مباراة في كرة القدم فإنه يتحتم علي من أجل عزة الشعب العربي ومن أجل تحرير فلسطين أن أنتصر في هذه المعركة الثقافية لذا واجهت كل ركاب البص وصحت بهم في غضبة مضرية:- "مش إنتو، والله لو جبتم معاكم البوشين الأب والإبن ما تغلبوني". ثم صحت فيهم باللغة الإنجليزية وأنا أسوي ليهم الكية:
- It…it.
أوقف السائق البص وإنضم لبني جلدته من الركاب وصاح معهم:
- He…he.
رفعت سبابتي ووسطتي بعلامة النصر وصحت:
- It…it... it.
- He…he…he.
تجمع الخواجات الموجودون في الشارع وأحاطوا بالبص لشد أزر ركاب البص في محنتهم وصاروا يصيحون معهم:
- It…it... it.
الغريب أن الكلب المجضم، والذي هو سبب غزوة البص، كان يشارك الخواجات في الإحتجاج فبدل أن يعوي مثل الكلاب أولاد الكلاب:- (هَو... هَو...هَو) كان يصيح: (He…he…he).
أخيراً أنهت شرطة اسكوتلانديارد كعادتها غزوة البص بصورة سلسة. عشرات من سيارات شرطة اسكوتلانديارد أحاطت بالبص وترجل منها رجال الشرطة المدججون بالرشاشات وأختفوا خلفها ثم أطل ضابط برأسه وهو يحمل مكبر صوت وخاطبني من خلاله بلغة عربية تشبه عربي جوبا:
- أرفأ يديناك ايتها المسلم الإرهاب وأمرك فروم ذا بص.
ما تم بعد ذلك تم بكل سلاسة لأنا والحمد لله كنا في بلد ديمقراطي. إندفعت مجـموعــة مـن الشرطة الى البـص والقوني أرضاً ونزعوا ثيابي وخلوني عريان ملط وصاح أحد الضابط وهو ينظر في نصفي الاسفل جاحظ العنين: Shit!!"" وفتشوني تفتيشاً دقيقاً لكنهم لم يجدوا معي أي حزام ناسف أو حتى شرموط ناشف يمكن أن يتسلبطوا به على أنه نوع من المتفجرات الغير تقليدية طلب مني الضابط أن أنزل من البص. وهكذا إنتهى الموضوع بكل سلاسة؛ لكن ما أغضبني قول الضابط الإنجليزي وقـد جحظت عيناه عندما قاموا بتجريدي من ملابسي: Shit !!..."".
إنتهت قصة صديقي مع الكلب الإنجليزي.
من أغرب حكايات البشر مع الكلاب ما يقال أن هناك محلات في اليابان لإيجار الكلاب بسعر 25 دولار للساعة الواحدة و100 دولار لليلة الواحده؛ لغاية هنا والموضوع معقول يعني ويمكن تفسيره بأن اليابانيين دايرين يوروا الأمريكان أنهم ناس حنان على الكلاب زيهم؛ لكن الأمر المضحك أنهم لا يأجرون الكلب إلا مرة واحدة في اليوم وإنهم بعد أن يرده المستأجر يجب الكشف عليه بواسطة دكاترة للتأكد من أنه لم يتعرض لأي ضغوط نفسية أكان ذلك بسبب معاملة المستأجر له أو بسبب تعدد المستأجرين. ولابد لي هنا من تحذير أي سوداني من الكشف عن طريقة معاملة شفعنا للكلاب حتى يتجنبوا شر متلقي الحجج أوكامبو.
تأجير الكلاب ذكرني بحكاية التيوس التركية التي جلبتها مصلحة حكومية وكانت تأجرها بمبلغ 100 جنيه لليلة الواحدة؛ أحد ظرفاء المزارعين عندما طلبوا منه 100 جنيه إيجاراً للتيس قال لهم: (لي شنو أنا داير أحجز ليهو مع الغنماية في فندق). لا أدرى السر في تفضيل التيوس التركية والقبرصية والامريكية على تيوسنا مع أن تيوسنا تقوم بواجبها على أكمل وجه منذ 40 ألف سنة لدرجة أن الامركان أخذوا تيوسنا النوبية الاصل لتقشع معيزهم لتحسين نسلها وتصدير عيال تيوسنا لنا بالعملة الصعبة.
نحنا مالنا ومال التيوس؟؛ خلينا نعود للكلاب.
رغم تعظيم بعض أهل المشارق وكل أهل المغارب للكلاب فإن أهلنا الطيبين يكرهونها عمى ويحتقرونها حقره شديدة خلاص لدرجة أن بعضهم إن هاجمه كلب من الخلف وعنكش في عرقوبه فأنه يواصل سيره كأن شيئاً لم يكن ذلك لأنه من العيب أن يظهر أنه أهتم بالكلب حتى لو هبر هذا الكلب هبرة من عبلة ساقه فهو برضو كلب إبن كلب ليس من الأهمية بمكان تجعله يهتم بما يفعل فيسرع الآخرون ويزجرون الكلب عنه.
ما يظهر إحتقار أهلنا للكلاب هو تراثهم المليء بالأمثال التي تزدري الكلاب؛ فالكثير من أمثالنا الشعبية تظهر مدى كراهيتنا للكلاب منها ذلك المثل الذي يقول: (الكلب ينبح خوفاً على ضنبو)؛ هذا المثل يلصق بالكلب صفتين مذمومتين هما؛ الجبن والخداع فهو محتال وغشاش يخفي جبنه فينبح ليخدعك ويظهر لك إنه مقرم وإبن كلب حتى تخاف منه ولا تمس ضنبه بشر.
مثل آخر يقول: (زنقة الكلب في الطاحونة)؛ لهذا المثل معنى عميق هو أن الكلب عندما يـُزنق في الطاحونة فأنه لن يجد نصيراً لأن الكل سوف يشارك في زنقه لأن الكل يكرهه وذلك رغم علمهم أن الدقاق سوف يستغل إنشغالهم في زنق الكلب ويطحن لهم حبوبهم دراشاً دراشا.
والكلب يفضل أن يقتل ولا يـُزنق كما يقول المثل: (زنقة الكلب ولا كتلو).
من أروع الأمثال التي تركها لنا السلف ذلك المثل الذي يقول: (أسِي: تـُوبَرَن: كِن: ولـِقـِنٍ: تـُوبرَن)، وترجمته (ماء النهر إن ضحلة حتى الكلب بتخوضها). والمقصود بالمثل أن الأمور إذا أصبحت سفاسفاً والكلام أصبح ترهات فكل من هب ودب سوف يلقي بدلوه فيها، كالحال إن صارت المخاضة ضحلة فحتى الكلب الهلفوت سوف يخوضها.
والكلب أن خاض في المياه فأنه سوف يسلح فيها كما يفعل مع الأشياء الجميلة كأعمدة الكهرباء التي لا تحمل كهرباء وأبراج الهواتف التي تحمل المكالمات عالية التعريفة والمواسير التي تحمل المياه التي غرامة إعادة توصيلها أغلى من رسومها ونواصي فلل أغنياء القرن الواحد والعشرين المطرطشة ؛ ليس المقصود بالطرطشة هنا خفة العقل إنما المقصود ما يفعله البناء بجدران منازل أغنياء القرن الواحد وعشرين، أما إن كنت من الأهالي الغبش وأردت طرطشة منزلك فإنك ستدفع مقابل ذلك كل ما تملك من مال وما تملكه زوجتك من ذهب أتت به من بيت أبيها وكل ما تحصل عليه من سلفيات من البنك الذي سيقوم فيما بعد ببيع بيتك بما فيه من طرطشة حتى يسترد أمواله التي سلفها لك لطرطشة ذلك البيت.
على ذكر البنوك أذكر أن صديقاً لي فكر أن يستلف من أحد البنوك مبلغ ستين الف جنيه قديم، فطلب موظف البنك من صديقي أن يفتح حساباً وأن يودع فيه ربع مبلغ السلفية؛ إستلف صديقي من صديق له مبلغ خمسة عشر ألفاً وفتح حساباً في البنك أورد فيه المبلغ. أعطى البنك لصديقي شيكاً بمبلغ واحد وثلاثين ألفاً فسألهم عن باقي سلفية الستين ألفاً، فقالوا له أنهم خصموا منها ربحهم، إستغفر الله، مرابحتهم. فقال صديقي لناس البنك: طيب ديل واحد وتلاتين ألف لمن أرجع خمسطاشر ألف للزول الإستلفتها منه يفضل لي ستطاشر ألف بس، وقصاد الستطاشر ألف دي تكونوا دايرين مني ستين الف. موظف البنك قال ليهو: ومنو قال ليك تتسلف من الناس عشان تتسلف مننا؟. صديقي قال ليهم: أقول ليكم ... أنا خليت السلفية، رجعوا لي قروش الراجل. ناس البنك قالوا ليهو: إنت حر.... ورجعوا ليهو أربعطاشر ألف وخمسمية جنيه. صديقي سألهم: وين باقي قروش الزول؟. قالوا ليهو إنهم خصموها معاملات. ومن يومداك صديقي بكلم روحو ومرات بتكلم من برا راسو؛ ناس قالوا جنا وواحدين قالوا عمل ليهو موبايل.
الدمعة الخامسة
*****
انا والكلاب
إنا كاتب هذا الكلام الذي تقرؤنه أعلن على رؤوس الإشهاد بأنني أكره الكلاب، ونقطة على السطر. أقول هذا دون خوف من الحسناء الشمطاء (ب.ب)، أعني الممثلة الفرنسية برجريت باردو، حتى ولو شنت علي حملة شعواء كالتي تشنها على المسلمين في كل عيد الأضحية بسبب ما تقول عنه المجازر التي ينصبونها للخرفان؛ شوفوا المره المخرفه دي حارقها ذبح المسلمين للخراف ولا يحرك لها جفن صناعي ولا يحرق حشاها الذي عملت عملية شطف لدهونه ذبح بشبوش العوير المطروش وشارون الشيطان المجنون للمسلمين كل يوم في أفغانستان وفلسطين والعراق.
وبمناسبة جيب سيرة بشوش العوير الذي اراد أن يذل العالم ويحكمه أذكر هنا إني قلت فيه:
مافي قرداً قاد للوحوش
ولا جباناً قاد للجيوش
كيف يقود الدنيا بوش
وامو قالت ولدي مطروش
ما علينا نرجع مرجوعنا للكلاب...
لقد حدثت أول موقعة بيني وبين كلب وأنا طفل برئ. كنت أقف أمام باب دارنا عندما رأيت كوكبة من الرجال على ظهور حميرهم وبرفقتهم كلب عاتي ولأني أكره الكلاب فقد إنحنيت لألتقط حجراً وأقذفه به فما كان منه إلا أن هجم علي بعنف وأسقطني على الأرض وجثم بقائميه على صدري وكشر لي عن أنيابه كأنه يقول لي "هسع اقرم ليك نخرتك"؛ دون أن يراعي أني طفل صغير وبرئ؛ قد يقول البعض إنني الباديء والباديء أظلم؛ طبعاً هذا كلام غير منطقي لأنه لا أحد أخبره أني إنتويت الإعتداء عليه؛ وإن كان بإمكانه التوصل بذكائه لهذا الإستنتاج، لم لم يفكر في الإحتمالات الأخرى وهي كثيرة؛ مثلاً ربما كنت قد رأيت قرشاً على الأرض وإنحنيت لإلتقاطه؛ أو إنني كنت أميط أذى عن الطريق.
عندما كنت في المدرسة الوسطى كنت أقرض الشعر قرضاً، وليس هذا بمستغرب فقد كان شفع الوسطى في زمننا يستطيعون قرض الشعر وكتابة القصص وقراءة انسايكيوبيديا بريتانيكا وفهمها بوضوح. في تلك الأيام كتبت قصيدة عن الكلاب قلت فيها:
أناطح التيس
أصارع الليث
أخاوي حتى جنيه
ولا يزوزيني جريو يافع
وأجري أمامو زي شافع
وحتى جريا لا بنجيني منو لا نافع
ومرت الأيام وكبرت لدرجة لم يعد من اللائق معها أن يراني الناس وأنا أجري أمام كلب أو خلفه. وفي ذات ليلة مقمرة وبينما أنا أسير في أحد الشوارع رأيت كلباً متعملقاً في حجم عجل نائماً وسط الشارع وقد توسد قائمتيه الأماميتين. تذكرت المثل الذي يقول (إبعد عن الشر وغنيلو) فعملت بنصف المثل، بعدت عن الشر ولم أغني له حتى لا أوقظه. سرت بقعر الحيطه بعيداً عن الشر وفي اللحظة التي ظننت فيها أنني بعدت عن الشر بما فيه الكفاية شعرت بشيء بارد ولزج يلتصق بعظمة الشيطان الخاصة بي؛ لا أدري سبب تسميتها بعظمة الشيطان مع إنها جزء من أجسامنا، ولا أدري ماذا يكون موقف الواحد منا إن جاءه أحد الشياطين يوماً وقال له: "إديني عضمتي ؟".
لما إلتصق الشيء البارد اللزج بعظمة شيطاني سرت قشعريرة من أخمص قدمي إلى منبت شعر رأسي؛ إستدرت في فزع فرأيت الكلب العجل يسير بجانبي الحجل بالرجل وقد دس كديسة أنفه في عظمة شيطاني. أغمي على عقلي من الخوف فهبت غريزة حب البقاء لتتولى أموري. أمرتني الغريزة أن أتوقف فتوقفت، ثم أمرتني أن أصرخ في وجه الكلب العجلي فصرخت:
- داير شنو ياخي؟؛ داير شنو؟؛...
وجم الكلب وإرتبك فتراجع خطوة للوراء فتقدمت نحوه خطوة وأنا أقول:
- خليت ليك الشارع ومشيت بي قعر الحيطه برضو ما عجبك؛ دايرني أسوي شنو يعني؟؛ دايرني أسافر لي بلد مافيها كلاب يعني؟.
كنت أتقدم نحوه وهو يتراجع وقد تملكه الذهول. صرخت فيه بحدة:
- داير شنو مني ياخي؟.
كنت أتصرف كطيرة التمساح، وهل هناك فرق بيني وأنا أندفع نحو الكلب العجلي وبين طيرة التمساح التي تدخل فم التمساح المفتوح مثل كبوت الفورد أبو أربعة لتلتقط فتات الطعام من بين أسنانه.
قاتل الله الحماقة، والحماقة عندنا نحن السودانيين تعني التعصب أو العصبية فنقول عن الزول الرويحتو في نخرتو إنه أحمق والصحيح أن نقول عنه إنه عصبي المزاج؛ والحماقة عند العرب تعني الهباله والعواره، ولهم في ذلك مثل يقول: "أحمق من رجلة" ذلك لأن الرجلة من عوارتها تنمو في مجاري السيول وعندما يأتي السيل يقتلعها من جذورها الضعيفة، شفت ليك جنس دي عواره. والرجلة من الخضروات التي يقال أن بها نسبة كبيرة من الحديد رغم أن لا مظهرها ولا ملمسها يمت للحديد بصلة.
ما علينا نرجع مرجوعنا للكلب العجلي.
صرخت في وجه الكلب الذي كان يتراجع أمام تقدمي وقد تملكه الذهول حتى أنه لم يدري أيقول " هو... هو"، أم يقول: " ناو... ناو":
- داير مني شنو يا كلب يا إبن الكلب؟.
إنبطح الكلب وألصق فكه بالتراب وأخفى أذنيه بقائميه كأنه يخاف أن أقضم أذنيه كما فعل أحد الملاكمين لخصمه. وبمناسبة قضم الأضنين لا يسعني إلا أن أقول بأني أخاف أن تنتقل هذه الظاهرة إلى ميادين كرة القدم وإلا حدثت مجزرة لكثرة عدد الأضنين في الإستاد فإضافة للأربعة وأربعين وضاناً عند اللاعبين هناك ثمانية أضنين تخص الحكام ومثلهم للشفع البرجعوا الكورة للميدان إضافة لأضنين الجماهير الموجود في الإستاد.
ما علينا؛نرجع مرجوعنا للكلب العجلي.
أن الكلب بصوت حزين وكأنه يريد أن يفهمني أنه كلب وديع وأنه جايي من بيت كويس وإنه نادم على ما بدر منه وأنه قال التوبه لي حبوبه وأنه يؤكد لي أن عظمة شيطاني لم تعد تهمه البتة وأنه يرجو مني أن أعتبر أن سوء التفاهم الذي نشأ بيننا أصبح في حكم المنتهي.
صحت فيه بغضب:
- توبتك توبه نصوح وألا كلام كلاب ساكت؟.
فما كان منه إلا أن إستلقى على ظهره ورفع قوائمه مثنياً أكفه كأي متسول غلبان يطلب كرامه.
صحت فيه:
- أنا ما باكل من الكلام ده.
إنقلب على بطنه وكب وجهه فوق الأرض ثم رفع مؤخرته وبدأ يهز ذيله في حركات سريعة كأنه راية الإستسلام؛ فصحت فيه:
- ولا باكل برضو من الحركات دي.
يأس الكلب من إسترضائي فأوقف هز ذيله وتمدد على جنبه وأغمض عينيه كأنه يقول:
- يا زول أنا خلاص عدمت الحيله معاك أعمل الداير تعملو.
في تلك اللحظة فاق عقلي من إغماءته وأستولى على مقاليد أموري من الغريزة وأمرني بالإسراع في مغادرة المكان ثم وبخ الغريزة قائلاً:
- دي عمايل دي؟!؛ تخلي صاحبنا - يقصدني - يعمل عقلو بي عقل كلب؟.
إبتسمت الغريزة وهي تقول:
- إن ما عمل العملو كان الكلب هبر عضمة شيطانو.
قال العقل:
- حظو كويس إنو الكلب طلع كلب جبان؛ لو كان كلب مقرم كان قرم خرزة صاحبنا مش عضمة شيطانو بس.
بعد المواجهة العاصفة التي وقعت بيني وبين الكلب العجلي قررت أن لا أعطي أي فرصة لأي كلب آخر لكي يجس نبضي ويرى مدى إستعدادي للمواجهة؛ لذا ما أن رأيت كلباً صباح اليوم التالي حتى أخذت زمام المبادرة فحمرت عيني وتقدمت نحوه مباشرة وأنا أجز على أسناني وجم الكلب وهو يتابعني وما أن تأكد أني أتحرش به حتى إنطلق يجري مخترقاً حاجز الصوت وهو يولول كسرينة عربة الإسعاف. كانت هناك مجموعة من الكلاب تراقب المشهد من بعيد وما أن رأت جرسة زميلهم حتى ولت الأدبار مسرعة تفادياً لوقوع أي صدام بيني وبينها.
يبدو أن الكلب العجلي أخبر كلاب الحي بما وقع بيننا وحذرهم مني:
- يا جماعه أعملوا حسابكم من الزول ده؛ الزول ده ما عندو يما ارحميني؛ وخدوا بالكم خاصة من ضنيباتكم.
ومنذ ذلك اليوم لاحظت أنه ما أن يراني أحد الكلاب حتى يخفي ضنبه بين فخذيه ثم يطلق ساقيه مسابقاً الريح.
ذات ليلة كنت عائداً لبيتي وكانت الساعة حينها قد تجاوزت الواحدة صباحاً فوجدت كل كلاب الحي قد تجمعوا في الميدان الواقع أمام بيتنا وبدأ لي أنهم كانوا يعقدون مؤتمراً للتشاور والتفاكر في أمري وقد ظنوا إنني كنت في تلك الساعة المتأخرة من الليل في سابع نومة. كان الكلب العجلي يقف خطيباً لذلك كان هو أول من رآني فإنطلق يجري وهو يعوي في فزع. وقبل أن تعرف بقية الكلاب جلية الأمر إنطلقت تجري في كل الإتجاهات وقد أعماها الخوف حتى أن بعضها إندفع نحوي مباشرة وما أن تعرفت علي حتى ألقت بمؤخراتها على الأرض لكي تفرمل قبل أن تصل إلي، لكن بسبب سرعتها أنزلقت حتى كادت تصطدم بي ثم هبت واقفة وإنطلقت تجري بعيداً وقد جن جنونها غير مصدقة أنها قد نجت.
تفرقت الكلاب المذعورة "كمن فسا بينها الظربان" كما يقول المثل العربي؛ والظربان هو ما نطلق عليه إسم التسابة وهو ذلك الحيوان المعجب بفرائه الأسود الذي يزينه شريطان أبيضان يمتدان من أنفه إلى نهاية ذيله حيث الغازات الكيمائية الفتاكة التي حرم مجلس الأمن إنتاجها أو إستخدامها مستثنياً من هذا أمريكا وإسرائيل والدول الغنية والظربان.
إن تصنيف الدول إلى كومين؛ مجموعة الدول التعبانة كوم، ومجموعة أمريكا والدول الغنية وإسرائيل والتسابة كوم تاني يذكرني برواية (مزرعة الحيوانات) وشعارات الرفاق البراقة وخاصة الشعار الذي يقول:
* كل الحيوانات متساوية.
لكن بعد فترة عندما وجد الرفاق أن هذا الشعار بساوي بين أي حيوان هلفوت مع أكبر حلوف فيهم أضافوا ملحقاً للشعار، ذلك لأن تغيير الشعار يعتبر تراجعاً عن المبادئ أما إضافة ملحق للشعار فيعتبر مراجعة؛ والثورات؛ كما يقول الزعماء الملهمون والملهمون الذين قاموا بتلك الثورات؛ تراجع ولا تتراجع. وبعد إضافة الملحق أصبح الشعار هكذا:
* كل الحيوانات سواسية.
* بعض الحيوانات أكثر سواسية.
ما علينا، نرجع مرجوعنا للكلاب.
إذن تشتت الكلاب كمن فسا بينها الظربان وإرتفعت صرخات الجراء الصغيرة عندما دهستها الكلاب الكبيرة بأقدامها في فرارها المجنون؛ فقلت للجراء في شماتة:
- تستاهلي، إنتي مالك ومال المؤتمرات السياسية؟.
الدمعة السادسة
******
قزقز لبك مع البصيرة أم حمد
يجب على كل عاقل أن يستعمل لبه لقياس الأمور؛ وأنا أقصد باللب هنا العقل وليس ذلك اللب الذي تقزقزه وتوسخ بقشره المكان النظيف الذي تجلس فيه. وأنا هنا لا أحرض إنساناً وخاصة إن كان من مواطني دول العالم الثالث عشر لكي يستعمل لبه بصورة دائمة حتى لا يكون عرضة للضرب بالحديد؛ ويجب أن أنوه هنا أن مقولة الضرب بيد من حديد قد عفى عليها الزمن وغدت دقة قديمة وأصبح الضرب يتم الآن بالحديد مباشرة في شكل رصاص وسكاكين وسيخ ومواسير وسواطير وبالعربات التي تستعمل للدهس كما حدث في . . (آسف على هذا الخطأ غير المطبعي المقصود).
مع إنه من الأسلم لمواطن دول العالم الثالث عشر عدم إستعمال لبه في كل حين إلا أني أنصحه بأن يقزقز به بين الحين والآخر حتى لا يتحول لبه لسلة مهملات يلقي فيها كل من هب ودب بقمامته التي قد تكون أغنية كلماتها هابطة ومعانيها فاسدة مثل (شيل الواوا حط الواوا ودي الواوا جيب الواوا) أو (السح الدح أمبو إدي الواد لأبوه) أو (الربيتوني الربيتي أرقدي جنبي ترقدي ميتي).
وقد تكون هذه القمامة مسلسل، والمسلسل هو المتسلل؛ الذي يتسلل لبيتك عبر التلفزيون، من خمسة أجزاء وكل جزء مكون من ثلاثين حلقة هذا إن كان قصيراً، اما إن كان طويلاً فإن المشاهد يموت ويورث أبناءه واحفاده مواصلة مشاهدته؛ هذا المتسلل الطويل ليس له أي مضمون ويستطيع الطفل الذي لا يعرف من مفردات اللغة العربية سوى خمس كلمات هي (بابا، ماما، أمبو، نان نا، فول) أن يعرف من أول كلمة من أول حلقة من أول جزء من المتسلل أن يعرف مصير البطل ومصير الخاين ومصير العوير صاحب البطل ومصير الرقاصة الشكشوكه عشيقة الخاين التي تحب البطل من تحت تحت.
وقد تكون هذه القمامة إشاعة مفبركة من تلك الإشاعات التي تطلقها حكومات الدول المتنامية لتشغل عقول شعوبها بأمور تافهة تصرف تفكيرها عن الأمور الجوهرية التي تؤثر في مستقبل الأجيال القادمة.
أو قد تكون هذه القمامة شعاراً يعتبر جوكراً يحمله كل زعيم ألا وهو (لا كلام غير قول الموت لإسرائيل ولا عمل سوى تحرير بيت المقدس).
خلاصة الكلام أنا أريد من مواطن الدول المتنامية أن يستعمل لبه أحياناً، وليس دائماً، بعدين يا أخي مواطن الدولة المتنامية داير تستعمل لبك وتفكر بيهو لي شنو؟، ياخي أحمد ربك أنو أي حاكم في أي دولة متنامية هو قائد ملهَم وملهـِم وكل قائد منهم عندو مستشارون يلهمهم فيلهموه؛ فداير إنت تفكر لي شنو؟.
ومستشارو الحكام من قديم الأزل يوصونهم بإتخاذ قرارات وأعمال خاطئة تؤدي للإضرار بالبلاد والعباد دون أن يخافوا من الحساب والعقاب بسبب ما تجلبه نصائحهم من ويلات ذلك لأن الناس تلوم الحاكم وتدعو عليه: (الله يخرب بيتك يا هناي زي ما خربت بيوتنا يا عاقر يا ناقر يا فاجر يا عقور)؛ والحاكم سوف يسد خشمو ولا يقول: بغم؛ ذلك لأنه لو قال إن سبب المصائب هم مستشاريه الذين أشاروا عليه بما جلب البلاء والوباء على البلد قال له الناس: (طيب إنت لازمتك شنو إن كان كلام المستشارين بمشي عليك وعلينا؟!).
هنا لا بد لي أن أذكر أن هناك حاكم واحد بعد سيدي الفاروق خرب بيته هو لكي يعمر بيوت رعيته ألا وهو عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد حفيد وسمي سيدي الفاروق رضي الله عنه. جاءت أمرأة من العراق إلى الخليفة الزاهد عمر بن العزيز في حاجة ودخلت على زوجته فاطمة بنت الخليفة الأموي عبد الملك فوجدتها تعالج قطناً في يدها - لاحظ هنا أن هذه الفاطمة التي تعالج القطن هي حفيدة خليفة وبنت خليفة وشقيقة خلفاء وزوجة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؛ سلمت المرأة على فاطمة وجلست؛ ثم رفعت بصرها في البيت فلم تر شيئاً له بال، فقالت:- إنما جئت لأعمر بيتي من هذا البيت الخراب!. فقالت فاطمة:- إنما خرب هذا البيت عمارة بيوت أمثالك.
ما علينا مرجع مرجوعنا للمستشارين...
إن مصائب الناس في حكامهم ومصائب حكامهم في مستشاريهم الذين هم مثل البصيرة أم حمد. يقال أن رجلاً جاء يجري للبصيرة وهو يصيح ونفسه قايم:
- الحقيني يا ود حمد زيري دخل تورو في رأس مويتي.
قالت البصيرة:
- كده قول بسم الله، وروق البنقو؛ أقصد روق المانقو، وشيل نفسك، وأحكي لي بي رواقه وقول لي مالك؟.
ضرب الرجل جبهته بكفه وقال:
- ياه....، الله يلعنك يا إبليس... قصدي اقول توري الوحيد دخل راسو في زير المويه وقرونو زرجنت جو الزير.
ولما كانت البصيرة ليست كخبراء الأمم المتحدة الذين يصدرون، وهم جالسين على مكاتبهم، بياناتهم التي يمكن أن يقال عنها إن المعنى في كرش الخبير؛ من ذلك مثلاً قولهم: (لقد تأكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك عدم وجود أسلحة دمار شامل في إسرائيل مما يؤكد وجود هذه الأسلحة في السودان)؛ لذا ما أن سمعت البصيرة ام حمد شكوى صاحب التور حتى قالت:
- بسيطة، إنتظرني أوضب روحي.
تقرببت البصيرة بفركة وتلفحت بتوب زراق وأخذت عصاتها التي تهش بها على جدادها المشوطن وعلى شفع الحلة المطاليق ثم قالت:
- وأرحكاكا يا حبيب لموقع الحدث.
هلل الناس المتجمعون حول الزير والتور عندما هلت عليهم البصيرة وأفسحوا لها مكاناً لتقف قرب الزير. مالت البصيرة بجذعها يساراً ثم مالت به يميناً وتمعنت في الثور ورأسه المحشور في الزير؛ ثم دارت نصف دورة حول الزير لتلقى نظرة على الوضع من الجهة الأخرى ثم مالت يميناً ويساراً ثم إستقامت بجسدها وكشفت عن شعرها ومسدت بأصابعها مسيرتها المضمخة بالكركار وقد إستغرقت في تفكير عميق ثم رفعت قربابها وأخرجت من تنية تكة سروالها البتستا حقة أسطوانية الشكل من الحديد الصدي ونقرت بسبابتها النحيفة على غطائها ثم فتحتها وكبت كمية من التمباك في باطن كفها الأيسر ثم أمالت رأسها للخلف وألقت التمباك داخل فمها وجمعته بلسانها بين شفتها السفلى ولثتها ثم أغلقت العلبة وأعادتها إلى مكانها وسوت قربابها حول ردفيها وصاحت:
- إضبحوا التور.
لسوء حظ التور وصاحبه أنه صادف وجود رجل قرمان لحم بجوار الثور وما أن سمع قول البصيرة حتى إستل سكينه ثم شخ... شخ.... ذبح الثور دون أن يكبر رغم أن الحاج بريقع شيخ الحلة كان يصيح فيه:
- كبر... كبر.... كبر يا فطيس.
عمل الرجل قرمان اللحم بسرعة في فصل رأس الثور عن جسمه حتى لا يعطي فرصة لصاحب الثور لمراجعة البصيرة أم حمد في قرارها. إنهار الثور على الأرض وهو يرفس بأرجله بينما بقي رأسه داخل الزير. إنشغل معظم الرجال بسلخ الثور وتقطيع لحمه بينما حاول بعضهم إخراج رأس الثور من الزير فلما باءت محاولاتهم بالفشل قال أحدهم:
- أم حمد، الرأس لسع معصلج جوه الزير.
إلتفتت البصيرة أم حمد للخلف وبصقت سفتها على وجه بريقع شيخ الحلة الذي كان يقف خلفها مباشرة فصاح شيخ بريقع في غضب:
- الله يقلعك يا شيخه، نجستي لي دقينتي.
صاح أحد الرجال:
- يا شيخنا نحنا هسع في دقينتك وألا في راس التور.
صاحت البصيرة أم حمد:
- أكسروا الزير وأمرقوا راس التور.
الدمعة السابعة
*******
بنات وأولاد
المرأة هذا المخلوق العزيز والجميل والرقيق هي الأم الرؤوم والزوجة الوفية والإبنة الحنون والأخت العطوف. يظن معظم الرجال أن المرأة مخلوق ضعيف وإن قوتها تكمن في ضعفها؛ غير أننا نجد أن الواقع غير ذلك؛ لنأخذ مثلاً موضوع الزواج؛ وهو بالطبع أهم أمر في حياة البشر لأن عليه تقوم الاسر وبالاسر تكون المجتمعات وبالمجتمات تعمر الارض؛ فنجد أن الفتاة هي التي تختار شريك حياتها دون أن تترك للشاب أي دور في هذه العملية وإن بدت العملية على عكس ذلك، فالشاب هو الذي يذهب ويخطب الفتاة جاهلاً أو متجاهلاً عن عمد أن الفتاة هي التي ختت عينها عليه قبل أن يخت هو عينه عليها؛ أما إن لم تكن قد ختت عينها عليه فإنها ستقول:
- أنا ما بعرس إن ما كملت تعليمي.
ثم توعز في نفس الوقت للشاب الذي خاته عينها عليه بطريقة غير مباشرة لكي يسرح ويلحق روحها قبل روحه ويطلب يدها من أبيها قبال فوات الفوت فتقول له وهي تتنهد:
- ما عارفه أسوي شنو؟؛ أبوي أمبارح زعل مني وقال لي: "عشرة شبان فيهم الدكتور وفيهم المهندس وفيهم.... وفيهم...... جوكي وابيتهم قايل نفسك شنو؟"
فإن أسرع الشاب الخاتا عينها فوقو وطلبها من ابيها فإن شاورها أبوها فسوف تنكس رأسها في دلال وتقول:
- التشوفو يابا.
فإن سألها أبوها خالي الذهن:
- إنتي يا بت الكلب أمبارح الحاضر ده ما قلتي أنا ما بعرس إن ما كملت تعليمي؛ وخليتي وشي قدر السمسمة قدام صاحبي الطلبك لي ولدو؟.
تقول البنت في براءة:
- ما عشان شفتك زعلت أمبارح لما رفضت العرس قلت ما أزعلك تاني.
على أيامنا يمكن أن نقول أن الامر مختلف توعاً ما إذ كان يحدث أن يكون للزواج أربعة ضحايا؛ إثنان من جهة العروسة هما العروسة نفسها التي زوجوها لزول ما بتحبو، وحبيبها الذي زوجوا حبيبته لواحد غيرو؛ وإثنان من جهة العريس هما العريس نفسه الذي لم يتزوج زولتو البحبها، وحبيبته التي تزوج حبيبها واحدة غيرها.
المعلوم أن الحب لا يخضع لأي منطق، فقد تحب فتاة زي الصيدة شاباً لا ترضى به حتى كلتوم ست اللبن التي يقال أن طائرة الفانتوم التي جاءت لضرب الخرطوم ضربت حمارتها. ولأن الكلام بجر الكلام لا بد لي أن أشير هنا أن الضرب بالطائرات أمر عفى عليه الزمن وأصبح الضرب يتم بواسطة الصواريخ إذ يستطيع أي يانكي حنكوش جسده مغطى بالتاتون حتى أخفى نقطة فيه أن يضغط زراً في سفينة تربض في الخليج العربي وهو يلوك في اللبان فينطلق الصاروخ وينيش حمار كلتوم ست اللبن في عينه.
إذا رجعنا للفتاة التي إختارت شاباً لا ترضى به كلتوم ست اللبن وسألناها:
- شنو العاجبك في الزول ده؟.
أسبلت رموشها وضمت كفيها فوق قلبها وأطلقت تنهيدة حارة وقالت:
- واي أنا من الفصدة الفي خديدو حاسا بيها جوه قليبي.
وقد تكون هذه الفصدة ضربة سكين تلقاها الشاب في شكلة وسط سوق أم دفسو؛ أو تكون طعنة سكين تلقاها الشاب من رجل عصبي ونظرو ضعيف عندما وجده يشاغل في بتو.
أرجو أن لا يكون كلام هذه الشابة من أنها حاسه بالفصدة جوه قليبها سبباً يدفع الشبان لتشويه خدودهم بالفصدات.
شابة أخرى قد تقول سبباً مختلفاً لحبها الشاب الذي لا ترضى به كلتوم ست اللبن:
- وا ناري أنا من شنبو النص رباط.
إن فتنت فتاة بشاب فهي لا تضيع لحظة واحدة في إظهار ولهها به بكلمات رقيقة مثل: (عسل بس يا ناس)؛ أو: (وا حلاتي)؛ فإذا بلغت الفتاة أقصى مراحل العشق والوله فإنها تتمادى وتقول: (دقلوشك ده).
إن ختت أي فتاة عينها في أي شاب وجعلته دقلوشها فهي ستزوجه حتماً رغم أنفه وأنف أمه وأبيه. والغريب أن الدقلوش سوف يكون مبسوطاً تمنيه وأربعين قيراط - أقول تمنيه وأربعين قيراط لأن الأربعة وعشرين قيراط لم تعد تبسط أي مخلوق بسبب الغلاء وبسبب الهموم التي ركبت الناس - وسبب إنبساط الدقلوش هو أن دقلوشته التي تمكنت من الحصول عليه جعلته يعتقد أنه كافح وناضل وصارع للحصول عليها.
وقد يحب شاب هو فارس أحلام العديد من العذارى الحسناوات فتاة ليس لديها أي مؤهلات متفق عليها فإن سألته عن السبب الذي جعله يحب هذه الشابة بالذات أجاب وهو يتنهد في لوعة:
- أظافر صبعينها بتخربشني جوه قلبي.
وإذا أعجب شاب بفتاة وحاول التقرب منها لتصبح فردته أو بليته ولم تكن هي تستلطفه إتلحته بكلمة (بس)، بكسر الباء كسرة شديدة، حتى تطمم نفسه.
أنظر لمفردات شباب هذه الأيام مثل (فردة) و(بلية)؛ إن الحكمة في إستعمال كلمة (فردة) هو أن وجود فردة يستوجب وجود فردتها الأخرى، أما الحكمة من إستعمال كلمة بلية فلا يخفى على كل من لعب البلى، فالبلية تحتاج إلى ضراب.
أعجب شاب بفتاة ورأى أنها بلية مناسبة له لكن الفتاة لم تكن تراه ضراباً مناسباً لها لذلك صاقرته بكلمة (بـِس) كلما حاول التقرب منها حتى جابت روحو في طرف نخيرتو وكان لسوء حظها شايقياً شعرو في طرف لسانو فقال لها:
ما تبسي أنا ماني جن
غيرك البنوت بتلقن
يا بليلة اللوبي العفن
بين يدي الخليفة الزاهد
تنبيه ضروري
إن ذهب تفكير البعض بأن تذييلي لحلقات (بيت البكاء) بقصة عن حفيد وسمي سيدي وحبيبي عمر الفاروق أقصد به المقارنة بين حكم المسلمين وحكم المتأسلمين يتحمل مسئولية ذلك ذلك لأن مجرد التفكير في المقارنة هو نوع من الشطط.
أخاف عليك ألا تخاف
عندما تولى الخليفة الزاهد الخلافة قال يوماً لصديقه زياد بن أبي زياد وهو أحد الزهاد البلغاء: " يا زياد ، إني أخاف الله مما دخلت فيه ". فقال زياد: "لست أخاف عليك من أن تخاف، وإنما اخاف عليك ألا تخاف".
تفشي العدل
عندما تولى الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز الخلافة وعدل أبدت الطبيعة إلا أن تعدل وتساعده على عدالته، قالوا أن النيل إعتدل فيضانه، بل قالوا أن العدل في عهده قد عم حتى بلغ شعاف الجبال. وبالغ الناس في القول وحدثوا عنه حديثاً عجباً، حتى قال مالك بن دينار إنه لما ولى عمر بن عبد العزيز قالت رعاة الشاة في رؤوس الجبال:- "من هذا الخليفة الصالح الذي قام على الناس؟. قال: فقيل لهم:- "وما علمكم بذلك؟"؛ قالوا:- "انه إذا قام خليفة صالح كفت الذئاب والأسد عن شائنا".
الفقه الأكبر
دخل على الخليفة الزاهد عمر بن العزيز غلام يقال له حريث بن عثمان مع أبيه، فسأل الخليفه أبا الغلام قائلاً: "ماذا تعلمه؟"؛ قال الأب: "الفقه". فقال الخليفة الزاهد: "علمه الفقه الأكبر". قال: "وما الفقه الأكبر يا أمير المؤمنين؟". قال الخليفة الزاهد: "القناعة وكف الأذى".
رياح العدل
ما أن تولى أمير المؤمنين الزاهد الخليفة الخامس الحكم حتى إقتلع كل ظلم بني أميه من جذوره فرد الى بيت المال كل ما حصلوا عليه من أراضي وكنوز بغير عدل ثم إلتفت إلى نفسه فرد الى بيت مال المسلمين ما آل اليه من أعمامه من ولاة بني أمية من إقطاعيات ونزع عن زوجته فاطمة بنت عبد الملك حليها وجواهرها وأودعه بيت المال وهي من هي حفيدة خليفة وإبنة خليفة وأخت خلفاء فلما رأى منها إمتعاضاً فيما فعل خيرها بين أن تقيم معه على هذا وبين أن تلحق بأهلها؛ فإختارت أن تبقى معه. ولما ضيق على نفسه وعليها وعلى أولادها في الطعام والملبس سألته أن يجري عليها خاصة، فقال لها:- "ليس في مالي سعة". فقالت له:- "لم كنت تأخذ منهم؟" - تقصد من خلفاء بني أمية - قـال:- "الإثم والتبعة عليهم، أما إذ وليت فلا أفعل ذلك فيكون إثمه علي".
الناس بخير
عندما أخذ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على نفسه وأهله بالتقشف تفرق خدمه لأن حالهم صارت الى أشر مما كانت. سأل أمير المؤمنين خادمه درهم يوماً: "ما يقول الناس يا درهم؟". قال درهم: "وما يقولون؟. الناس كلهم بخير، وأنا وأنت بشر !".
فرتونة تخاطب الخليفة رأساً
خرج بريد من مصر وفيه خطاب من فرتونة السوداء، مولاة ذي أصبع، الى أمير المؤمنين الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تشكو له وتقول أن حائط دارها قصير وأنه يقتحم عليها منه فيسرق جدادها. وصل خطاب فرتونة الى أمير المؤمنين فكتب الى عامله على صدقات مصر أيوب إبن شرحبيل :"بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين الى إبن شرحبيل أما بعد فإن فرتونة مولاة ذي أصبع كتبت الي تذكر قصـر حائطـها وإنه يسرق منه جدادها، وتسأل تحصينه لها". فلما جاء الكتاب الى أيوب ركب بنفسه يسأل عن فرتونة حتى وقع عليها سوداء مسكينة، فأعلمها بما كتب أمير المؤمنين فيها، وحصن بيتها.
تظـلم الرعـية
مع أن عمال الخليفة الزاهد إقتدوا به في العدل فإن الناس أخذوا يتهمونهم بالظلم ويشكونهم اليه، ولم يحدث ذلك إلا لأن الناس أحسوا ان الخليفة الزاهد رحمه الله جاءهم ليسعدهم وليدر عليهم الخير والرزق؛ ولم يدع الخليفة هذه الشكاوي تمر دون الإهتمام بها وتحقيق العدالة لأهلها متى كانوا مستحقين.
إنصرف الشعراء عن باب الخليفة الزاهد وذلك بعدما قال الخليفة الزاهد لجرير حين أراد أن ينشده: " يا أبا حزرة، قل، ولا تقل إلا حقا ".
وعاد جرير يشكو للخليفة الزاهد فقره مرة، ويشكو له حرمانه من حقه في صدقات الأعراب مرة، والخليفة يسمع له شكاة المظلوم ويعطيه نصيب الفقير. قال جرير يشكو إبن سعد الأزدي الذي حرمه من صدقات الأعراب لما تولاها:
إن عــيالي لا فــواكــه عـندهـــم وعـند إبن سـعــد ســكر وزبـيب
وقد كان ظني بإبن سعــد سعادة وما الظـن إلا مخطيء ومصـيب
فـإن ترجــعـوا رزقـي الـيّ فــإنه مـــتاع لــيال والأداء قــــريـــــب
وقال آخر يشكو عمال الخليفة اليه:
إن الذين أمــرتهــم أن يعــدلـــوا نبذوا كتابك وأستحلوا المحــــرم
وأردت أن يلي الأمــــانة مـنهــم بـر وهــيهــات الأبــر المسـلــــم
طلس الثياب على مـنابر أرضـنا كــلٌ يــنقــص نصــيـبنا يــتكـلـم
أمير المؤمنين وإبنته
أرسلت إبنة امير المؤمنين عمر إبن عبد العزيز بلؤلؤة وقالت له: "إن رأيت أن تبعث لي بأخت لها حتى أجعلها في أذني". فأرسل لها بجمرتين ثم قال لها: "إن أستطعت أن تجعلي هاتين في أذنيك بعثت اليك بأخت لها ".
من أقوال الخليفة الزاهد
* ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد؛ همٌ دائمٌ ونفسٌ متتابعٌ.
* ثلاث من كن فيه فقد كمل؛ من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا قدر عفا وكف.
* لقاء الرجال تلقيح لألبابها.
* ما قرن شيء الى شيء أحسن من علم الى علم، ومن عفو الى مقدرة.
جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق