الأربعاء، 1 يوليو 2015





وناسة بندر دنقلا
(4)
مصطفى  طـه دارنتود

ابونا الزعيم إسماعيل الازهري

عفواً أيها الزعيم
   سنوات وانا اقلب في وريقات من التاريخ فعرفت أن....
   من احرق روما مشهور اكثر من المهندس الذي بناها.....
   وان هناك من يقدس قاتل عمر الفاروق العظيم.....
    وان هناك من قال عن بعض الحكام أنهم مثل إبن حنتمة؛ واعوذ بالله من ترديد مثل هذا الكفر غير أن عذري أن ناقل الكفر ليس بكافر....  
   وأن هناك من يمدح الحجاج بن يوسف فيقول أنه لم يكن يرتشي رغم أن ابليس كذلك.... 
   وأن الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز مات مسموماً....
   وأن هناك من قال عن حكام جهلة سفاحين أنهم ملهمين......
   والامثلة المؤلمة كثيرة.....
وأكثرها إيلاماً أنه عندما إنتقل ابونا اسماعيل الازهري إلى الرفيق الاعلى عصراً صاغ عراب إنقلاب مايو بابكر عوض الله نعياً اذيع في أخبار الوفيات في نشرة الثامنة مساء جاء فيه:(توفى إسماعيل الأزهري المعلم السابق في مدارس السودان)....
ورغم أني معلم أعتز بمهنتي أقول وأنا أبصق قرفا كالسم:
   (يا للعار... يا مستشار)....


الإتسان النادر الذي حبانا به الله قتلوه
    في الذكرى الثامنة والخمسين للإستقلال طلب مني مدير القطاع الإذاعي بدنقلا أن أقول شيئاً بهذه المناسبة فتناولت مقاومة الشعب السوداني منذ المهدية وحتى رفع علم الإستقلال على سارية قصر الشعب. وختمت حديثي عن الزعيم الازهري بقراءة خطابه إلى السيد بشير النفيدي الذي يطلب منه فيه سلفة؛ عندها خنقتني غصة وسالت دموعي ولم أستطع كبحها.
 يقول الخطاب:-
بسم الله الرحمن الرحيم
إسماعيل الازهري
التاريخ الاربعاء 6 شوال 1383: 19/2/1964م
السيد بشير النفيدي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
علمت من السيد الحاج مضوى بموضوع المائه جنيه الأولى وهي باقيه ديناً لك عليَّ...
والآن أرجو أيضاً ان تسلفنى مائه وثلاثين جنيهاً أخرى وتكون الجمله عليَّ مائتين وثلاثين جنيهاً؛ وسأبدأ في التسديد أن شاء الله في منتصف هذا العام، وأكون لكم من الشاكرين جداً
 والله ولي التوفيق؛
المخلص
اسماعيل الازهري
وآسف لازعاجك
لضيق الظرف
    لقد هزني هذا المستوى من العفة والنقاء والطهارة مقارنة بما عهدنا من عهر سياسي ضرب البشر ولوث أرض الله كلها.
    رئيس وزراء ورئيس جمهورية يستلف نقوداً لضيق ظروفه....
    رئيس وزراء ورئيس جمهورية لا يمتلك متراً واحداً من مساحة مليون ميل مربع حررها هو بعرقه ودموعه وروحه....
    رئيس وزراء ورئيس جمهورية مات وهو مديون للبنك....
    رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية هذا سجناه مرتين... فيا للعار.... ثم يا للعار...
    إن ما أدونه في هذا الكتيب عن الزعيم اللأزهري هو نقطة من بحر مثالية هذا الإتسان النادر الذي حبانا به الله فعذبناه وقتلناه....

    
الزعيم
السيرة الذاتية
الإسم:
إسماعيل بن سيد أحمد بن إسماعيل بن أحمد الأزهري إبن الشيخ إسماعيل الولي بن عبد الله الذي نزح بأسرته من قرية منصوركتي إلى الأبيض.
مكان الميلاد:
أم درمان في دار جده الشيخ إسماعيل الأزهري الكبير
تاريخ الميلاد والوفاة:
  1900- 1969م.
المراحل التعليمية: 
خلوة السيد المكي.
 كلية غردون 1917م.
الخبرات العلمية والعملية:
أبتعث للدراسة بالجامعة الأمريكية ببيروت وعاد منها عام 1930م.
عمل بالتدريس في مدرسة عطبرة الوسطي عــــــام 1921م  وأم درمان عام  1924م  
اسرته
الزوجة: السيدة مريم مصطفى سلامة.
أبناؤه:  له ولد واحد وخمس بنات.
الولد هو محمد لم يتزوج وتوفي في حادث مروري عام 2006م.
     اما البنات فهن:
آمال وزوجها  الدكتور معتصم حبيب الله.
وسامية ولها زوجان؛ أما زوجها الأول فهو العميد مهندس عثمان أمين؛ أما زوجها الثاني فهو الكابتن بحري حسن شريف.
وسمية وزوجها الأستاذ الشاعر الفاتح حمدتو.
وسناء وزوجها المصرفي كمال حسون.
وجلاء وزوجها البروفيسور عبد الرحيم كرار.
نشاطه السياسي
1943 أصبح رئيساً لمؤتمر الخريجين.
1943 أول رحلة له إلى مصر.
1946 قاد وفد الأحزاب المؤتلفة لمصر لحضور المفاوضات بخصوص إستقلال السودان.
1953 ديسمبر فاز حزبه الوطني الاتحادي بالأغلبية في أول إنتخابات البرلمان السوداني.
1954 كون أول حكومة وطنية من حزبه الوطني الإتحادي.
1955 قاد وفد السودان لمؤتمر دول عدم الإنحياز الأول بباندونج.
1956 رفع ومعه محمد احمد المحجوب زعيم المعارضة علم الاستقلال.
1956 أسقطت حكومته الوطنية وكونت حكومة السيدين برئاسة عبد الله خليل.
1958 قام الفريق إبراهيم عبود بإنقلاب ضد حكومة عبد الله خليل.
1964 أعتقل لمطالبته بعودة الديمقراطية وسجن بسجن ناقشوط.
1965 أنتخب للجمعية التأسيسية وأختاره البرلمان كأول رئيس دائم لمجلس السيادة.
1969 مايو وقع إنقلاب نميري وأعتقل وسجن بسجن كوبر.
1969 أغسطس مات شقيقه علي الأزهري فأذنت له حكومة الإنقلابيين بحضور تشييع أخيه فأصيب بنوية قلبية أدخل بسببها المستشفى.
1969 توفى لرحمة مولاه يوم 26/8/1969م.


صفات الزعيم
قـوة الشكيمة
صاع الزعيم صاعين
    سافر إلى لندن وفد برئاسة السيد علي الميرغني مكون من السيد عبد الرحمن المهدي والسيد الشريف يوسف الهندي وزعماء القبائل ومجموعة من كبار علماء الدين لتهنئة الملك بانتصار الحلفاء على دول المحور في الحرب العالمية الاولى 1914 ـ 1918م. وكان من ضمن العلماء جد الزعيم الأزهري فذهب مع جده مترجماً خاصاً له وكان حينذاك تلميذاً بالصف الثاني الثانوي. وفي المقر الذي نزل فيه الوفد سمع الزعيم أحد المسئولين الإنجليز يأمر الطاهي بأن ينضج اللحم بعظمه لأن السودانيين، كما قال، يأكلون اللحم كما تأكله الكلاب، ورغم أن الزعيم ظل هادي الاعصاب إلا أنه صراها للإنجليزي.
   في نهاية الزيارة ألقى الزعيم كلمة شكر فيها البريطانيين على دعوتهم ثم ختم حديثه بقوله: "كما جئنا لتهنئة ملككم بالانتصار في الحرب، فإننا ننتظر مجيئكم لنا في السودان لتهنئتنا بزوال الاستعمار، وبإنتخاب حكومتنا الوطنية"
     ورد الزعيم الصاع صاعين.
بطل باندونق منو؟
     ذهب الزعيم إلى باندونق ليمثل السودان في أول مؤتمر لدول عدم الإنحياز ولما كان السودان لم ينل إستقلاله بعـد فقـد طلب منه المصريون أن يكون الوفد السوداني ضمن الوفد المصري فرفض الزعيم؛ ولما لم يكن للسودان علم بعد فقد أخذ الزعيم منديله الابيض وكتب عليه "السودان" وعلقه أمامه بقلمه وكان هذا أول علم لجمهورية السودان يرفع في المحافل الدولية.
    عاد وفد السودان من باندونق وعند هبوط الزعيم من الطائرة أنشد أمامه أحد الشبان:
والراية البيضاء نصبغها دمــاً    يوم النزاع إذا دعانا الأزهري
شكراً لكم
    عندما أسقط البرلمان الميزانية التي قدمتها حكومة الزعيم خاطب الزعيم المجلس بقوله: "شكراً جزيلاً للحكومة وللمعارضة وشكراً للمجلس على هذا العمل الجليل". ولما خرج الزعيم من القاعة كتب إستقالته وسلمها لسكرتيره. ولما جيء له بسيارته قال لسكرتيره: "لا..... قبل قليل كنت اسماعيل الازهري رئيس حكومة السودان؛ أما الآن فأنا المواطن إسماعيل الأزهري لذا لا يحق لي ركوب هذه العربة فمن فضلكم أطلبوا لي تاكسي". وجيء بتاكسي أوصله لداره ورفض السائق أن يأخذ اجرة عن المشوار.
عفــة اليد
وغَضـبَ الزعيم
   غضب الزعيم غضباً شديداً عندما سمع إشاعة تقول أن ماكينة تنظيف نجيلة تابعة للمجلس البلدي قد أستخدمت مرة من المرات في نظافة النجيلة بحديقة منزله فطلب من دكتور البخاري عبد الله الجعلي المسئول عن شرطة منطقة أم درمان شمال أن يتحري الأمر لأنه أن صدقت الإشاعة فهو فساد لن يقبله.
عربة الحكومة لخدمة الشعب
    لم يستعمل الزعيم عربة الحكومة إلا في العمل الرسمي؛ وأثناء عمله كانت تسبقه دراجة بخارية واحدة.  وفي غير ساعات العمل كان يقود سيارته بنفسه وبدون حرس.
ده شنو الما عندو أي حاجة ده؟
     عندما قام نميري وعصبته بإنقلابهم أوكلوا المحامي علي محمد إبراهيم بالتنقيب في منزل الزعيم ليجدوا شيئاً تدعم حملتهم لإشانة سمعته. ولم يجد الرجل شيئاً يشين الزعيم فقال:
    - ده شنو ده؟.... ده ما عندو أي حاجة.... شوية عناقريب في بيوتنا أحسن منها.... أنا بيتي أحسن من بيتو... وعفشي أحسن من عفشو".
 ثم كتب الرجل لمن أرسلوه:-
    (وجدته بيتاً عادياً بل أقل من البيوت العادية ولم أجد قطعة أثاث مستوردة وكل الأثاث من الموجود في السوق؛ لا يوجد شئ).
تواضعه
 غداء الزعيم يوم تنصيبه كسرة مرة بي ملاح قرع
      في أول يوم تسلم فيه الزعيم رسمياً مهام منصبه كرئيس لمجلس الوزراء ذهب إلى منزله فهب الحارس الموجود أمام داره وقام بالتشريفات اللازمة لمقدم الرجل المهم فطلب منه الزعيم الجلوس وأمره ألا يقوم بتحيته بمثل هذه الطريقة مرة أخرى. وعند وقت الغداء نادى الزعيم الحارس ليتناول معهم الطعام وكان يتكون من طبيخ قرع وسلطة ولفات كسرة مرة وفوق كل لفة نصف رغيف من العيش البلدي. بعد الفراغ من الأكل قال الزعيم للحارس أن يطلب كل الوجبات من مطبخ المنزل وأن يستعمل حمام  المنزل متى شاء وأن يخبر باقي افراد الحرس بهذه التوجيهات فلم يتمالك الحارس نفسه فأنفجر باكياً من شدة التأثر. 
لا عجب فهذا الأزهري
     حكى البروفيسور يوسف بدري أن والده الشيخ بابكر بدري ذهب لحضور جلسة البرلمان التاريخية التي كان مقرراً فيها إنتخاب السيد إسماعيل الأزهري رئيساً للوزراء بعد فوز حزبه (الوطني الاتحادي) بالأغلبية المطلقة في الإنتخابات، وبالطبع كان الأزهري في قمة بهجته بتلك اللحظات التي جاءت تتويجاً لنضاله السياسي. ولمح سيادته الشيخ بابكر بدري يتوكأ في طريقه لداخل مبنى البرلمان، فاتجه نحوه وأخذ بيده وقاده حتى أوصله إلى مقعده داخل القاعة، والتقط مندوب صحيفة "التايمز" صورة لهذا نشرت على صفحات الجريدة وعليها تعليق خلاصـته كيف إستطــاع رئيس الوزراء في تلك اللحظة التاريخية أن يوجه إهتمامه لرجل التعليم!.
    أطلع السيد يوسف بابكر بدري والده على الصورة والتعليق، فقال له الشيخ:
 -  لا مجال للعجب فهذا إسماعيل الأزهري.
الزعيم يعمل سائقاً
     اقامت السفارة المصرية بالخرطوم حفلا كان من بين المدعوين له الشيخ عمر إسحاق أحد كبار رجال التعليم بالسودان الذي أكتشف فى اللحظات الأخيرة أن سيارته معطلة فأتصل تلفونيا بالزعيم الأزهري الذي حضر إليه وأخذه من بيته. لاحظ الشيخ عمر أن الأزهري كان يرتدي القميص والبنطال فقط فقال له إن ذهابه بذلك المظهر لا يليق برئيس الوزراء فأدهشه الزعيم بقوله إنه غير مدعو للحفل؛ وأزدادت دهشته عندما سأله الزعيم عن الوقت الذي يريد منه العودة لأخذه لمنزله, فألح الشيخ على الزعيم ألا يعود وأقسم له بأنه سيجد من يقوم بإرجاعه.
بين الزعيم والخفير
    ذات يوم جاء رجل بسيط إلى القصر وقال إنه يريد مقابلة الزعيم وعندما سأله السكرتير عن السبب قال إنه يعمل خفيراً وأن الزعيم مر يوماً بسيارته بمكان عمله فوقف إحتراماً له ولوح له بيده محيياً فلوح له الزعيم بيده رداً لتحيته؛ ثم فــوجئ العامل بعد يومين ببرقية من الزعيم يشكره فـيها على ترحيبه به.
وحمل الزعيم جوال القش عن العجوز
     قال سائق الزعيم: "في أحد الأيام كنا في طريقنا من القصر الجمهوري إلي منزل الزعيم بأمدرمان فشاهد رجلاً طاعناً في السن يحمل فوق ظهره جوالاً مليء بالحشائش فأمرني بالتوقف ونزل من السيارة وحمل الجوال عن الرجل ووضعه في السيارة وطلب منه الصعود للسيارة ثم سأله عن وجهته فقال الرجل إنه ذاهب إلى منزله بحي المظاهر. قلت للزعيم إن البرتوكول يمنعك من عمل ذلك؛ فقال لي هذا والدي ولابد أن ننسى البرتوكولات في مثل هذه المواقف. وصلنا بيت الرجل وكان بيتاً بسيطاً من الجالوص فنزل الزعيم وحمل الجوال إلى داخل البيت ثم أمضى وقتاً في الحديث مع الرجل قبل أن يصعد إلى السيارة ونكمل طريقنا لبيته.
صلى الخفير على الحصير والزعيم على أصيد الغبراء
    كان الزعيم ورهط من رجالات الحزب في طريقهم لزيارة إحدى قرى الجزيرة وحان وقت صلاة المغرب عندما وصل الركب لإحدى الترع وكان خفير الترعة قد إفترش (خيشة) إستعداداً للصلاة. أمر الزعيم الركب بالتوقف وبعد أن توضأ هو ومرافقيه في الترعة أصر على الحارس أن يإمهم؛ فصلى الخفير على الخيشة وصلى الزعيم ومرافقوه بملابسم النظيفة فوق التراب خلف الخفير.
حلمـه وتسامحه
لا حكم بالإعدام
     بعث الزعيم برسالة لحاكم عام السودان روبرت هاو طالباً منه تخفيف حكم الإعــدام الذي صـدر على الذين أرتكبوا أحـداث مـارس 1954م من القيادات الوسيطة من الأنصار؛ ذلك حتى لا يقال إن السودان بدأ إستقلاله بإعدام أبنائه.
أصلو هو اداني من جيبو ؟!!!
      جاء رجل للزعيم وقال له إنه في حاجة لإجراء عملية خارج السودان وطلب منه الزعيم مساعدته في ذلك. تبنى الزعيم قضية الرجل فأتصل بالجهات المعنية بالأمر حتى تم تحقيق طلب الرجل.
    سافر الرجل للخارج وأجريت له العملية. وفي مقابلة صحفية معه بعد أن عاد سليماً معافى سأله الصحفي إن كان صحيحاً أن الرئيس الأزهري هو من قام بتسفيره للعلاج بالخارج فرد الرجل:
    -  سفرني شنو؟...أصلو هو وداني من جيبو؟!!.
     قرأ احد قادة الحزب الموضوع فدخل على الزعيم ثائراً غاضباً وهو يحمل بيده الصحيفة التي كان الزعيم قد قرأها؛ فأبتسم الزعيم  وهدأه ثم أتصل بذلك الشخص وهنأه بنجاح العملية وعودته سالماً ثم أضاف ضاحكاً:- ما تنسانا في الكرامه بتاعتك؛ أدعينا.
الزعيم يهتف "يسقط الازهري" !!!
     كان الزعيم في زيارة تفقدية مع مجموعة من الوزراء عندما هتف أحد الشبان في وجهه:-  يسقط الازهري.
 أمر الزعيم السائق بالتوقف وترجل من السيارة وأمسك بذراع الشاب ورفعها عالياً وهتف:- يسقط الأزهري... يسقط الأزهري... يسقط الأزهري... وتعيش أنت والشعب السوداني حراً مستقلاً.
    ثم هز الزعيم يد الشاب محيياً وعاد لسيارته وواصل طريقه تاركاً الشاب واجماً مذهولاً.



اهتمامه بالأهالي الغبش
تمددوا على القضبان فإستجاب لهم الزعيم
       كان الزعيم مع مجموعة من رجالات الحزب يستقلون قطاراً في زيارة لهم للقضارف وكسلا؛ وتوقف القطار في محطة السوكي الساعة الثانية صباحاً وكان في إستقباله مجموعة من المواطنين طالبوا أن يخاطبهم الزعيم فقيل لهم أن الرئيس نائم وأن السوكي ليست في برنامج الزيارة؛ ولما أستعد القطار لمواصلة رحلته تمدد نفر من أهل السوكي على قضبان السكة حديد حتى لا يتحرك القطار قبل أن يخاطبهم الزعيم؛ فخاطبهم الزعيم وتحرك القطار.
وركب الزعيم الطوف
     في زيارة للزعيم لمنطقة عبري لاحظ أن مجموعة من الناس في إحدى الجزر كانوا يهتفون بحـياته فأصر أن يذهب إليهم رغم أنهم أخبروه بعدم وجود مركب يأخذه للجزيرة. أحضر أحدهم طوفاً صعد عليه الزعيم ومرافقيه؛ وخوفاً على الزعيم ألقى مجموعة من الشبان بأنفسهم في النيل وأحاطوا بالطوف ليضمنوا سلامته. نزل الزعيم على الجزيرة وخطب في إهلها وصعد على الطوف محاطاً بالشباب حتى وصل للبر وواصل طريقه إلى عبري. 
عربية البكيات
    كان الزعيم الأزهري بطبعه مجاملاً بصورة نادرة فهو يسعى جهده لتضميد جراح الناس ومساعدة الغلابة ولا يتأخر في مشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم، وكان يأتيه بكل أخبار أم درمان صديقه الساعاتي عوض الله؛ فكان الزعيم عندما يرجع من عمله في مجلس الوزراء يتحرك بعربته الخاصة ليقضي واجبات العزاء لدرجة جعلت الناس يطلقون على عربته لقب "عربية البكيات".
سيد الرجال
      أرادت إمرأة دخول منزل الزعيم فأوقفها الحرس:
     - ماشا وين يا مره؟ ... أدخلي من باب النسوان.
  ردت المرأة:
    - انا ما مره .... أنا راجل ودايره أقابل سيد الرجال.
    ودار جدال بين المرأة والحرس سمعه الزعيم فطلب من الحرس السماح لها بالدخول. أستمع الزعيم للمرأة وحقق لها طلبها فخرجت المرأة وقالت للحرس:
    - ما قلت ليكم أنا داخلا لي سيد الرجال.
عشاء العيال
       جاء رجل للزعيم وقال له:
    -  عيالي أمبارح ما أتعشوا والكهرباء في بيتي مقطوعة.
    كتب الزعيم شيكاً وطلب من أحد مساعديه أن يذهب مع الرجل ويتأكد من إستلامه للمبلغ. أرتد الشيك لعدم وجود رصيد للزعيم؛ ولما علم مدير البنك أن شيكاً للرئيس قد أرتد أخذ الشيك وكتب عليه يصرف. وفي نهاية الشهر عندما أستلم الزعيم مرتبه غطى شيكه الكاشف.
وأشترى لأم العيال داراً طردت منه
     ذات مساء شديد البرودة جاءت إمرأة تحمل طفلاً للزعيم في داره وقالت له إن زوجها مات تاركاً لها خمسة أطفال وإن صاحب البيت الذي كانت تستأجره باع البيت وإن المشتري أشترط على مالك الدار أن يسلمه البيت خالياً لذا قام مالك البيت بإخراجها منه.
وقالت إنها تركت أطفالها في الشارع وجاءت تشكو له.
طلب الزعيم من إثنين من معاونيه أن يذهبا مع المرأة ويدخلاها هي وأطفالها البيت الذي طردت منه وأن يحضرا معهما مالك الدار.
   جاء مالك الدار للزعيم الذي سأله بكم باع البيت فحدد له السعر الذي باع به البيت؛ فسأله الزعيم إن كان قد أستلم عربوناً من المشتري فنفى الرجل إستلامه لأي عربون فقال له الزعيم:
    -  لو زدتك عشرة جنيه تبيع لي البيت؟.
قال الرجل:
    - البيت مجاني لسيادتك.
شكره الزعيم ورفض عرضه ودفع له قيمة البيت. وتابع الزعيم عملية تسجيل البيت بإسم أم العيال حتى أستلم شهادة البحث وذهب بنفسه لبيت أم العيال وسلمها في يدها شهادة البحث.



بيت الأمة
    ظلت سيرة الزعيم إسماعيل الأزهري العطرة ومناقبيته ومثله العليا تعيش بيننا رغم محاولة بعض الأقلام المأجورة والخصوم السياسيين الموتورين تشويه صورته؛ فهم يسألون كيف تسنى للزعيم أن يبني منزلاً فخماً بمقاييس تلك الأيام التي بني فيها، رغم أنهم يعرفون أن الزعيم كان موظف دولة ورئيس وزراء ورئيس دولة؛ وأنه مات وهو لا يملك متراً واحداً من مساحة المليون ميل مربع التي حررها هو بعرقه ودموعه وروحه؛ وأن البيت الذي  قالوا إنه بيته هو إرث آل اليه هو وأخوته من أبيهم فتنازل له إخوته عن حصصهم فيه. أما بناء هذا البيت فقد تم بتبرعات مريدوه من رأسماليين ومواطنين محدودي الدخل الذين أحبوا أن يساهموا في بناء بيت زعيمهم لإيمانهم بأن بيت الزعيم هو بيت الأمة وقد ظل هؤلاء المريدون وما زالوا يحتفظون بفخر وإعتزاز بالخطابات التي أرسلها لهم زعيمهم شاكراً مساعدتهم له.
    يقول الأستاذ عبد الرحمن احمد المهدي سكرتير الزعيم ان بيت الأزهري وهو رأس الدولة كان بسيطا لا يختلف عن بيت المواطن العادي؛ وأن أثاثاته محلية الصنع لا تتعدي المستوى الموجود فى الأسر متوسطة الحال.
العروض في بيت الزعيم
     كان بيت الامة يغص دائماً بالزوار وعرف عن الزعيم أنه كان يقدم البلح والماء البارد لزواره.
الطعام في بيت الزعيم
      الطعام الذي كان يتناوله الزعيم وأسرته كان بمستوي طعام أسرة متوسطة الحال.
الوضوء يحرس بيت الزعيم
      طرق أحد أعضاء الحزب الوطني باب الزعيم حوالي الساعة الثالثة صباحاً ففتح له الزعيم الباب دون أن يقف خلف الباب ويسأل زائره عن اسمه وغرضه قبل أن يفتحه. فقال الزائر مستنكراً:
- الا تخشى يا سيادة الرئيس أن يكون الطارق من خصومك ويريد أن يغدر بك ؟.
فضحك الزعيم وقال:
- أنا متوضئ والحمد لله؛ والوضوء هو سلاح المؤمن فلا تغشى عليَّ.
     والعارفون بسر الاولياء وحدهم يفهمون مثل هذا القول.  
اوصت حواء أن تشيع من بيت الأمة
    جاء في وصية حواء الطقطاقة (لما أموت شيعوني من بيت الأزهري) وتنفيذاً لوصيتها تم حمل جثمانها من منزلها بـحي الضباط إلى منزل الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري وسط تهليل وتكبير الذين حملوا جثمانها. وأحتضن منزل الزعيم الراحل جثمان حواء وأحتضنت زوجة الزعيم وأم السودانيين الحاجة مريم أماني كريمة حواء وهي تبكي بحزن ومرارة.


كراماته
    شغل السيد عبد الرحمن احمد المهدي عدة مناصب قيادية في وزارة المالية وبنك السودان ومعهد الدراسات المصرفية قبل أن يعمل مديراً لمكتب الزعيم؛ والسيد عبد الرحمن شخصية مشهود لها بالمصداقية والشفافية.
    روى السيد عبد الرحمن أن السيد نديم البشير الذي كان يعمل بمراسم القصر قال له إن الزعيم هاتفه يوم 24 مايو 1969م وأخبره إن شيخاً سيحضر إليه وإن عليه إحضاره لمكتبه، وما أن وضع السيد نديم سماعة الهاتف حتى وجد شيخاً وقوراً يقف أمامه، فإصطحبه على الفور لمكتب الزعيم، وما أن وقع نظر الزعيم على الشيخ حتى نهض وأسرع نحوه فخرج نديم لكنه ترك الباب موارباً فرأى الشيخ يهز كتفيه فاتحاً ذراعيه وهو يقول:- "الموضوع انتهى"، فقال له الزعيم وهو يبسط كفيه متسائلاً:- "مافي طريقة؟ أليس هناك من مخرج؟"، رد الشيخ وهو يرفع يده إلى أعلى مشيراً للسماء:- "ما مني من عند الله".
     إتصل الزعيم بنديم وطلب منه إيصال الشيخ للخارج فبحث نديم عن الشيخ فلم يجده وسأل موظفي المراسم والحرس إن كانوا قد رأوا شيخاً يخرج من مكتب الزعيم فأكدوا جميعا أنهم لم يروه.
    بعد ذهاب الشيخ بدأ الزعيم في تصنيف أوراقه، فأودع الأوراق الرسمية في الخزينة أما الأوراق الخاصة فوضعها في حقيبته كما لو أنه قد تيقن أن يوم 24 مايو 1969م هو آخر أيامه في القصر.
   صباح اليوم التالي 25 مايو نبهت الحاجة مريم الزعيم بأن ثمة حركة حول المنزل فقال لها:- "إنه إنقلاب". وتابع تلاوته للقرآن الكريم.
(إن كان بعضنا ينكر وجود كرامات لا يعني هذا عدم وجودها)



 يوم في حياة الزعيم
      الزعيم الأزهري متصوف من أتباع الطريقة الإسماعيلية. والمعروف عنه أنه كان إنسانا متديناً.
   أعتاد الزعيم أن يبدأ يومه بصلاة الفجر وتلاوة ما تيسر من القرآن الكريم وبعد ذلك يستمع للإذاعات العالمية والمحلية، ثم يتناول كوباً من اللبن، وكان يعتمد على هذا الكوب بصورة أساسية في غذائه؛ ثم يتناول إفطاره المكون من بيضة واحدة مسلوقة وشريحة من الخبز فقد كان قليل الطعام قليل الشراب وكان بمقدوره أن لا يأكل أو يشرب لأكثر من إثنتي عشر ساعة متواصلة.
     بعد الإفطار يجلس الزعيم على مكتبه بالمنزل لمقابلة الزوار وأصحاب الحاجات حتى الساعة السابعة صباحا.
     في الساعة الثامنة صباحاً يخرج الزعيم إلى مكتبه في القصر الجمهوري لممارسة عمله.
     حوالي الساعة الثانية بعد الظهر يعود الزعيم لمنزله ويتناول وجبة الغداء مع الأسرة إذ كان حريصاً على أن يقضي بعض الوقت مع أبنائه، وإذا قضت الظروف أن يتغيب عن المنزل كانت تعليماته أن تحفظ له خطابات المواطنين ذوي الحاجات بالمنزل حتى يعود.
     ورغم وجود كشكين للحرس أمام المنزل، لم يحدث أن أعترض رجال الحرس أحد الطارقين على الباب، لأن توجيهات الأزهري شددت على أن لا يغلق باب داره في وجه من يقصده.



رحيل الزعيم
    يوم 19 أغسطس سنة 1969م وفي الساعة التاسعة صباحاً توفى علي الازهري شقيق الزعيم بنوبة قلبية أصيب بها جراء تحامل لجان التفتيش وحصر الممتلكات التي شكلها مجلس إدارة انقلاب مايو 1969م والتي كانت تعامل اسرة الزعيم بطريقة فظة لا تمت للأخلاق السودانية السمحة بصلة. طلبت الاسرة من عراب الإنقلاب بابكر عوض الله السماح للزعيم بالخروج من السجن لتشييع جثمان أخيه، ماطل الانقلابيون ولم يسمحوا له بالخروج إلا في الساعة الخامسة مساء فحضر بحراسة أحد الضباط، وبعد الدفن وقف الزعيم لإستقبال المعزين، وفجأة بدأ يتصبب عرقاً وبدأ يتألم من صدره ثم دخل في غيبوبة؛ وكان موجوداً طبيب الزعيم الخاص عبد المنعم وصفي، والدكتور صديق أحمد إسماعيل، والدكتور حليم عضو مجلس السيادة السابق، وبعد أن أجروا كشوفاتهم نصحوا بنقله إلى المستشفى. أتصل كبير الأسرة محمد الأزهري بعراب الانقلاب بابكر عوض الله وأبلغه بما حدث، فأرسلوا عربة إسعاف من السلاح الطبي بها ممرضات، وطلبوا نقله للسلاح الطبي فرفضت اسرة الزعيم العرض وأصروا على نقله لمستشفى الخرطوم القسم الجنوبي وقد كان.
    نقل الزعيم للقسم الجنوبي ووضع في غرفة (5) بالطابق الأرضي.
      أحاط عدد كبير من العسكر بالمستشفى وكردن العسكر العنبر الذي به الزعيم ولم يسمحوا بالدخول إلا لأفراد أسرته.
    أوصى الاطباء بسفر الزعيم لمصر لأن حــالته لا يمكن علاجــها بالسودان. أبلغت الأسرة عراب الإنقلاب بتوصية الأطباء يوم 22 أغسطس، فأفاد بأنه سيتصل بالقاهرة ليرسلوا أطباء الرئيس جمال عبد الناصر. كانت حالة الزعيم تزداد حرجاً يوماً بعد يوم، وكانت الأسرة تتصل مرة بعد مرة بالعراب تسأله عن موعد وصول الأطباء، وكان يقول لهم دائماً "إنهم في الطريق".
      في صبيحة يوم الثلاثاء 26 أغسطس ساءت حالة الزعيم وأحتاج لأوكسجين فوجد الأطباء أن كل أنابيب الأوكسجين في المستشفى فارغة.
      في الساعة التاسعة صباح الثلاثاء رفع الزعيم أصبعه دلالة على أنه يتشهد، وعندما أكمل الشهادة أسلم روحه الطاهرة لبارئه وإنتقل إلى الرفيق الأعلى وتم دفنه بالأربعاء. وهنا أذكر قول أهلنا الطيبين "لا يشق قبر لشقي يوم الأربعاء".
يا للعار.....
   الإنقلابيون كانوا يريدون من الزعيم أن يعترف بنظامهم كغيره من زعماء الأحزاب الأخرى لكنه رفض.
   والأسئلة التي تتبادر للذهن هو: ما السر وراء منع اسرة زعيم الامة من زيارته يوم 15 أغسطس؟.
    ثم ما مدى حقيقة ما أشيع من أن الانقلابيين قد أستوردوا مكيفات من ألمانيا الشرقية لزنزانة الزعيم بها مواد سامة؟.
    ثم لماذا عمد الإنقلابيون بألا يأتوا بالأطباء المصريين لمعالجة الزعيم؟.
   إن كل الملابسات ترجح أن زعيم الأمة قتل بالسم.
   من نقاط العار المظلمة في تاريخ البشرية الطريقة والصيغة التي نعى بها الإنقلابيون الزعيم ؛ فعلى الرغم من أن الوفاة قــد حـــدثت عصرا، الا أن الإذاعة السودانية أذاعت النبأ في أخبار الوفيات بنشرة الثامنة مساء في نبأ صاغه عراب إنقلاب مايو بابكر عوض الله جاء فيه:
(توفى إسماعيل الأزهري المعلم السابق في مدارس السودان)....
ورغم أني معلم أعتز بمهنتي أقول وانا ابصق قرفا: (يا للعار)....
التشييع الاستفتائي على زعامة الزعيم
    يقول صلاح الأزهري شقيق الزعيم: "إنتشرت إشاعة تقول أن السلطات تريد أن تأخذ جثمان الزعيم لتدفنه بطريقتها الخاصة، فما كان منا، الأسرة والجماهير؛ إلا أن تسلحنا بالعصي والحجارة وأزلنا الحواجز التى أقامها الإنقلابون حول العنبر الذي به جثمان الزعيم، ثم أخذنا الجثمان في عربة إلى المنزل، وعملنا عليه حراسة مشددة، وبقينا ساهرين طوال الليل حتى الصباح، خوفاً من أن يخطف الإتقلابيون الجثمان عنوة، وخرج الجثمان يوم الأربعاء الساعة الخامسة مساءً في موكب مهيب تحرك من المنزل حتى مقابر البكري، وسط زحام شديد من الناس الذين أتوا من كل أنحاء السودان، وكانت الحكومة خائفة من هذا المشهد، فكانوا يتابعون الوضع بالطائرات من الجو وبالدبابات من الأرض، ولكنهم تجنبوا إستفزاز الناس خوفاً من النتائج".
كلمة حقِ من فمِ جائرٍ
    يقول الدكتور منصور خالد في كتابه (النفق المظلم؛ قصة الفساد والاستبداد):
"كان الرأي السائد أن يُدفن الأزهـري سـراً ودون تشييع جماهيري فأنبرى لهم السيد اللواء خالد حسن عباس عضو مجلس الثورة ووزير الدفاع وهو يخاطبهم ثائراً بقوله: "لقد ظل والدي يبكي على الأزهري طوال الليل، فان كنا لا نستطيع أن نمنع آباءنا من الحزن على رحيل الأزهري، فكيف نمنع الشعب عن إبداء الحزن والوفاء والإمتنان له؟".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق